الحكيم الترمذي

133

غور الأمور

يَكْسِبُونَ « 1 » . قال : الذنب على الذنب حتى يموت القلب ، وذلك أن العدو إذا كان مسلطا على المدائن ، كان الأمر أمره ، وكانت الرغبة مطيعة له ، فكلما أمر أمرا أطيع ، فذلك كسب ودين على القلب وانقباض ، فإذا ظهر الانقباض منع الماء ، فإذا منع الماء عن المدينة ، ظهرت في ألوانها وأشجارها الشدة واليبوسة ، حتى إذا كان ذلك ، وكثر ؛ مات القلب . وذلك أن الروح ضعفت وكذلك البدن ، ألا ترى الإنسان إذا نام ومرض أو عفش عليه ، لا يمكنه التحرك ولا القيام والروح فيه لم ينقض منه ، فكذلك القلب إذ انطوى سلطان النور وانقبض ، ضعف القلب ويبس ، وكذلك الشجر إذا منع عنها الماء مرضت حتى تيبس . فالنور للقلب كالماء للشجر وكالروح للشجر ، ومنه سمى يحيى ، يحيى لأنه لم يعص ولم يهمّ بمعصية ، « 2 » وذلك أنه لم يعمل عملا يظلم عليه وحجبه فتستوحش منه المعرفة فيقبض ، فيطوى نوره وينجلى من القلب قدره من النور فيبس ذلك الموضع منه ، ومنه قوله : " لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ) « 3 » أي من قبله كله

--> ( 1 ) سورة المطففين : آية 14 . والرين يعتلى قلوب الكافرين ، والغيم للأبرار ، والغين للمقربين . وروى الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال ( إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب منها صقل قلبه ، وإن زاد زادت ) فذلك قوله تعالى كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ . ( 2 ) إذا كان مراد الشيخ هنا يحيى عليه السلام فهذا كلام جدير بالقبول ؛ ففي تفسير قوله تعالى وَسَيِّداً وَحَصُوراً أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال ( كل ابن آدم يلقى اللّه بذنب يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ) . ( 3 ) سورة يس : آية 70 .